محمد متولي الشعراوي

1678

تفسير الشعراوى

فلو آمنوا لظل لهم الجاه والسلطة في ضوء الإيمان باللّه ، فلا تجارة بالدين ، وكانوا سيحصلون على أجرهم مرتين ، أجر في الدنيا ، وأجر في الآخرة ، أو أجر على إيمانهم بنبيهم ، وأجر آخر لإيمانهم برسول اللّه ، ولكن هل معنى هذا القول أن أهل الكتاب لم يؤمنوا ؟ لا ، إن بعضهم قد آمن ، فالحق سبحانه وتعالى يؤرخ لهم تأريخا حقيقيا فيقول سبحانه : « مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ » وكان القياس أن يأتي وصف بعضهم بالإيمان ، وأن يكون غيرهم من أبناء ملتهم كافرين ، لأن الإيمان يقابله الكفر ، لكن الحق يحدد المعنى المناسب لفعلهم فيقول : « وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ » . إنه الحق سبحانه وتعالى الذي يتكلم فيورد كل كلمة بمنتهى الدقة ، فهناك فرق بين أن تكفر وليس عندك مقدمات الإيمان وأدلته ، وأن تكفر وأنت تعرف مقدمات الإيمان كقراءة التوراة والإنجيل . لقد قرأ أهل الكتاب التوراة والإنجيل ورأوا الآيات البينات وعرفوا البشارات ؛ لذلك فهم عندما كفروا برسول اللّه ، فسقوا أيضا مع الكفر . إن الذين كفروا برسول اللّه من أهل الكتاب هم فاسقون حتى في كفرهم ، لأن مقتضى معرفتهم للبشارات والآيات أن يعلنوا الإيمان برسالة رسول اللّه ، فالواحد منهم ليس كافرا عاديا ، بل هو فاسق حتى في الكفر ؛ لأنه عرف الحق ، ثم خرج وفسق عنه . وما دام الحق قد قال : « مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ » إذن ماذا يفعل المؤمن منهم مع الفاسق ؟ سيتربص الفاسقون وهم الأكثرية في اليهودية والنصرانية بالأقلية المؤمنة ليوقعوا بهم الأذى والضرر ، ويقول الحق سبحانه : لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ( 111 )